crossorigin="anonymous">سمراء المزاج | نزيف الحبر

من قصص نزيف الحبر

سمراء المزاج

❦

حكايةٌ كُتبت بالحبر، ولم يجفّ أثرها بعد...

فصول الحكاية

سمراء المزاج

الفصل الأول

على حافة الحلم

❦

فنجان قهوة، ضجيج يعم المكان، إبحار وهمي في فضاء لا متناهٍ. ضلال أفكار تتمايل بين لعقات ناعمة مرة، تداعب أطراف الوعي ثم تتوارى في صمت. ينابيع الدموع في حالة تيهان، تتسكع بين الذكرى والحلم، تسبران زوايا المقهى بصمت ناعم، تبحثان عن بقايا النور الذي تركه الانسحاب بلا وداع، على حضن خشب بارد يسكنه الغبار والحنين.

كل شيء من حولي يبدوا متحجرا في لحظة انتظار رغم ازدحام الحواس، كأن هذا الازدحام جزء من سكينة تسكن الأعماق، وكأن سمراء المزاج فاصل بين الحلم والواقع، ليست بنغمة تتسلل إلى الحلق، ترفعني بلطف، وتهاجر بي خلف الأفق، إلى حيث زمان لا تسكنه سوى الطمأنينة.

ومع كل نفحة جديدة، كانت المسافة بيني وبين العالم تضيق، كأن فنجان القهوة باب سري يفتح ذاتي. خيوط الضوء المتعبة تتسلل من زجاج المقهى، ترسم على الطاولة وجهي كما تركته الذاكرة آخر مرة، مزيج من تعب جميل وهدوء يشبه الرضى الكاذب.

سمراء المزاج لا تزال هناك في ركن غير مرئي من اللحظة، تنثر شيئا من عبيرها في هواء المكان، كأنها تحرس هذا الصمت الممتد بيننا.

اقرأ المزيد ←

الفصل الثاني

اللقاء الأول

❦

بينما أرتشف قهوتي وأغرق في تأمل وجه الصباح، دخلت المقهى فتاة كأنها روح تعيش على الورق وتتنفس في العيون. مرت بجانبي بخطى مثقلة بالحيرة، ملامحها تحمل أصوات داخلية عسيرة الفهم، تشرق من عينيها نكهة قهوة صباحية مليئة بالدفء والحكايات، ضحكتها، تغمر وجهها بالغمازات كأنها راقصات صغيرات على خديها، تروي حكاية خفية. كأنها خرجت للتو من حلم طويل كتبته أناملي في غفوة حنين.

عم الهدوء في المكان كأن خطواتها تحمل حكايات قديمة تمشي على أطراف الصمت. على نفس الطاولة، بدون موعد، سألتني هل تنتظر شخصا ما؟ فقلت لها لا كأن أحدهم خيط شفتاي عن الكلام. فجلست، كأنني في انتظار شيء بعيد، شيء لا أعلمه، لكنني شعرت أنه قريب، لقد كان شعور الحب من أول لمحة. جلست كأنها لا ترى أحدا، كأن المكان انكمش داخل تلك العيون البنية وضعت حقيبتها بلطف على المقعد وقامت بنداء على النادل وطلبت منه قهوة سادة، يا لجمال ذوقها. بينما كانت تنتظر قدومه قامت بإخراج دفتر صغير من حقيبتها بلطف وبدأت بتقليب صفحاته ببطء كأنها تنبش في ذاكرتها عن بقايا ملامح لم تعد كما كانت. كل صفحة تحمل أثر أناملها، خطوطها الدقيقة، كلمات كتبتها على عجل أو بدموع صامتة أو بحنين. كنت أراقبها بصمت كأنني أراقب مشهدا سينمائيا لا أريده أن ينتهي. لم تكن تصنع الحروف فقط تغمض عينيها لتفتح قلبها تبتسم أحيانا ثم تغوص في عالمها المخفي.

وضع النادل فنجان القهوة بهدوء فرفعت عينيها اليه وشكرته بنبرة هادئة تحمل نسيم يخترق رفيقة الأصوات التي تسكن روحي ليثلج مأوى الحنين والعشق. ثم نظرت الي بإشراقة ناعمة من السعادة الخفية وقالت هل تحب سمراء المزاج، لوحت برأسي ولم أجد الكلمات كان الحروف تسللت بعيدا عن لساني، ارتسمت بسمة دافئة على وجهها وهي تراقب صمتي كأنها اعتادت أن تجد في مرايا الروح ما يعجز اللسان عن قوله، كأنها تقرأني بقلبها، تتصفح وجداني سطرا سطرًا، دون ان أنطق حرفا. انتهت من كوبها وذهبت، أما انا فبقيت أحتسي الصمت الذي خلفته وراءها.

اقرأ المزيد ←

الفصل الثالث

لهفة الإنتظار

❦

ومع نسمات الصباح، وجدت نفسي عائدا إلى نفس المقهى الذي جمعنا البارحة كأن الدرب محفور في ذاكرة قدماي، دون تفسير وجدت نفسي استقر على نفس الطاولة التي ربما حفظت ملامحنا، والحديث القصير الذي دار بيننا، تنتظر عودتنا، نفس الزاوية، نفس الفنجان، لكن شعور غريب ينتابني أن هذه الطاولة ستشهد أعوامًا من صمتي.

كنت هناك لكنها لم تكن، كأن حضورها بالأمس كان سوى طيف عابر دأب في رائحة البن ودفء الذكرى.

ومع كل رشفة من قهوتي، كنت أفتش في وجوه المارة عن ظلٍ يشبهها، عن ضحكةٍ تتكئ على الغمازات كما رأيتها بالأمس. لكن الصباح مرّ ثقيلاً، كأن عقارب الساعة تسخر من انتظاري. كنت أسمع وقع خطواتٍ وهمية تقترب، ثم تختفي في زحام الأصوات. حتى الهواء صار ثقيلاً عليّ، يحمل في طياته فراغًا يشبه الغياب. فتحت دفتري الصغير، أردت أن أقلّدها، أن أكتب شيئًا على العجل، أن أستنشق حروفًا ربما تستدعيها من البعد، لكن كلماتي بدت يتيمة، بلا ملامح، بلا دفء. كم تمنيت لو أنني أمسكت بيدها حين جلست بقربي، كم تمنيت لو أنني وجدت الجرأة لأقول شيئًا بسيطًا، شيئًا يفتح نافذة صغيرة بين صمتي وبين عالمها. غادرت المقهى مثقلاً بالانتظار، لكنني كنت أعلم أنني سأعود غدًا… كأنني بدأت أعيش على احتمال اللقاء، على فكرة أن الطيف الذي ذاب في رائحة البن سيعود من جديد، وربما ينبت من الغياب حوار لم يكتمل.

اقرأ المزيد ←

الفصل الرابع

أنفاس الزمن

❦

في اليوم الثالث، لم أقاوم قدماي، وكأن المقهى صار موعدًا يسبقني إليه الشوق. جلست على الطاولة نفسها، أراقب الباب كمن ينتظر معجزة صغيرة. دقائق قليلة، وإذا بها تدخل، بخطوات أبطأ من المرة الأولى، كأنها تحمل أثقالًا لا يراها أحد سواها. ابتسمت حين التقت أعيننا، ابتسامة هادئة تشبه مطرًا خفيفًا يبلل الروح دون أن يوقظها. اقتربت وجلست دون سؤال، وضعت حقيبتها، وأخرجت دفترها الصغير، لكن هذه المرة لم تفتحه مباشرة، بل تركته على الطاولة ونظرت إليّ طويلًا.

قالت بصوت خافت: "أتعلم؟ لم أكن أنوي العودة إلى هذا المكان… لكن شيئًا ما دفعني إليه."

ابتلعت الكلمات، شعرت أن قلبي يسبقني في الإجابة، لكنني لم أقل سوى: "وأنا كذلك."

ساد الصمت قليلًا، إلا أن هذا الصمت لم يكن صمت غرباء، بل صمت من يعرفون أن ما سيُقال ليس أهم من وجودهم معًا.

رفع النادل فنجانيْن، فوضع أحدهما أمامها كما لو أنه يعرف مسبقًا طلبها. ابتسمت، ثم همست وهي تحرّك قهوتها السادة:

الغريب أنني أشعر وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن بعيد…"

ابتسمت بدوري، ولم أجد جوابًا سوى أنني تركت نظراتي تسافر في عينيها. كانت العيون تقول ما عجزت عنه الحروف: أن شيئًا وُلد هنا… على هذه الطاولة، بين رائحة البن ووشوشة الانتظار.

اقرأ المزيد ←

الفصل الخامس

نهر الصمت

❦

في الأيام التي تلت، صار المقهى بيتًا صغيرًا لنا. لا مواعيد، لا رسائل، فقط صدفة تتكرر كأن القدر كتبها بعناية. كانت تدخل أحيانًا قبلي، فأجدها غارقة في دفترها، وأحيانًا أصل أنا أولًا، فأنتظرها بقلق يشبه قلق العشاق الذين لا يعترفون بعد بعشقهم. كنا نتحدث قليلًا، كلمات متفرقة، أسئلة بسيطة لا تشبه ما في الداخل. لكنها كانت تكفي لتفتح نافذة من دفء، وكأن وراء كل كلمة بحرًا من الحكايات لا يريد أن يفيض دفعة واحدة. في إحدى المرات، سألتني وهي تحدق في فنجانها: "هل تؤمن أن بعض اللقاءات قدرية؟ أنها تأتي بنا إلى أماكن لا نفهمها، لكنها تغيّرنا إلى الأبد؟"

نظرت إليها طويلًا، وأجبت بصوت خافت: "أؤمن… لأنني أعيشه الآن." ارتبكت، ابتسمت بخجل، وأغلقت دفترها فجأة كأنها تخشى أن تنفضح أسرارها. ثم قالت: "أحيانًا أخاف من الكلمات… كأنها حين تخرج، تفسد جمال ما نشعر به."

فأومأت برأسي، وكأنني أوقّع على اعتراف مشترك: أن ما بيننا لا يحتاج إلى لغة، يكفيه هذا الصمت المليء بما تعجز عنه الحروف.

اقرأ المزيد ←